الرئيسية » Uncategorized » عوامل إعادة هيكلة الدول

عوامل إعادة هيكلة الدول

عوامل إعادة هيكلة الدول

 

 

 

 تمر الدوله بمراحل العمر المختلفة من تطور ونمو ونضوج وشيخوخة وتراجع . فهي كما الإنسان ، تولد وتضحو طفلاً (كدولة فلسطين) فشاباً (مثل الإمارات العربية المتحدة) فرجلاً (كما الأردن) ثم عجوزاً (كمصر) . ولكن الدولة تختلف عن الكائن الحي من حيث أن بالإمكان إعادة إحيائها وتجديد شبابها وإطالة عمرها ، مثل تركيا وماليزيا .

كما أن مراحل عمر الدولة تختلف عن الكائن الحي وعن الإنسان ، من حيث أن عمر كل مرحلة من مراحل حياتها قد تطول وقد تقصر لأسباب قد تكون داخلية أو خارجية ، ذات علاقة بحركة المجتمع والنظم الإقتصادية والسياسية والتطور التكنولوجي . فكلما كانت النظم والهياكل السائدة بالدولة مُلبية لحاجات الناس وتطلعاتهم ورؤية الدولة وإستراتيجيتها ، كلما ساهم ذلك بزيادة عمر المرحلة من حياة الدولة . وتنتقل الدولة من مرحلة إلى أُخرى من حياتها مع تطور النُظم والهياكل السائدة بالدولة ذاتياً وديناميكياً نابعةً من تطور حاجات المجتمع والدولة .

 ومن هُنا يتبين لنا أول مصدر أو سبب لإعادة هيكلة الدولة . ألا وهو التطور الطبيعي للمجتمع والدولة ، بحيث تصبح فيه هياكل الدولة ومؤسساتها ونظمها السياسية والإجتماعية والإقتصادية قديمة ومعيقة لحركة التطور ، لأنها لا تلبيى الحاجات الجديدة للمجتمع ولا تخدم الدولة في تحقيق رؤيتها للمستقبل . على أنه يجب القول بأن ليس كل تطور في المجتمع والدولة يجب أن يكون سبباً لإعادة هيكلة الدولة . إذ لا بد من التفريق بين النمو الطبيعي للمجتمع المترافق مع نمو الهياكل والنظم ، وبين وصول النمو إلى مرحلة إستنفاذ مصادره (أي مكانك سر) . ففي الحالة الأولى ، لا يوجد داعي لإعادة الهيكلة ، لتوافق نمو المجتمع والدولة مع الهياكل والنظم . ولكن إذا إستنُفِذت مصادر النمو وصار هناك تراجع في وظائف هياكل الدولة ، أصبحت الحاجة لإعادة الهيكلة مُلحة. وهنا تكمن أهمية القيادة في النظرة إلى النمو ، هل هو نمو طبيعي أم مُستنفذ ، وبالتالي إتخاذ القرار الإستراتيجي في تسهيل مصادر النمو ، أو إعادة الهيكلة ، مثلما فعل توني بلير (Tony Blair) رئيس وزراء بريطانيا العمالي خلال فترة حُكمه (1997-2003) بإتباعه لما عُرِف بالطريق الثالث (The Third Way) .

كما أن الصراعات الداخلية أو الحروب الخارجية ، كإحتلال الدولة ، قد تُعيد تشكيل الدولة بشكل مغاير تماماً لما كانت عليه من قبل . وفي هذه الحالة تُولد دولة جديدة على أنقاض الدولة القديمة ، مثل العراق . وفي المرحله الأولى من حياة هذه الدولة الجديدة تستخدم الهياكل السابقة ولكن ضمن نُظم جديدة ، وهي تحتاجها بالبداية لتلبية متطلبات المجتمع الأساسية ، فإذا لم تستبدل الهياكل القديمة بأُخرى جديدة تتوائم مع النظم الجديدة تفشل الدولة ويُعاني الجميع فيها . وكلما أسرعت الدولة الجديدة في بناء هياكل ومؤسسات حديثة متوافقة مع النظم الجديدة ، كلما أدى ذلك إلى تسهيل حركة المجتمع والنمو الإقتصادي والنهضة .

أيضاً ، فإن تحول الدولة من نظام إقتصادي إلى آخر يُشكل سببا لإعادة هيكلة الدولة .  فجميع دول أوروبا الشرقية وروسيا وجمهوريات الإتحاد السوفياتي المُنحل قد تخلت عن نظام الإقتصاد الإشتراكي ، وتبنت أنظمة السوق (الرأسمالي) . وعليه ، فقد أعادت تشكيل هياكل الدولة لتتوائم مع النظام الإقتصادي الجديد ، ودخلت مرحلة صعبة من التحول ، حتى أصبح يُطلق عليها إقتصادات التحول (Transitional Economies) .

وكذلك ، فقد لعبت العالمية دوراً هاماً في أن تكون سبباً لإعادة هيكلة الدولة . ففي ظل الإنفتاح والتنافس ووتوافر رؤوس الأموال العالمية اللاهثة وراء الفرص الإستثمارية ، أصبح لزاماً على الدول الراغبة في إستقطاب الإستثمارات الأجنبية تهيئة أسوقها ونُظمها وإعادة رسم بعض هياكلها لذلك . فلولا العالمية وما وفرته من فرص لما أصبح الإقتصاد الصيني يمثل رقم إثنين في الإقتصاد العالمي ، ولما إنتقلت الصين من دولة نامية فقيرة ذات إقتصاد زراعي بسيط إلى دولة صناعية ضخمة تصنع أي سلعة يُمكن صناعتها في أي دولة بالعالم ، وتتمتع بفوائض مالية هي الأضخم في تاريخ البشرية . فقد كانت الدولة الصينية منغلقة على ذاتها وهياكل الدولة متوائمة مع نظامها الإشتراكي وإقتصادها المحدود . ولكن القيادة الصينية رأت في العالمية فرصة ذهبية . فعملت على بناء رؤية مختلفة لما كان سائداً ، وتبنت إستراتيجيات جوهرية لمسيرتها التنموية . فأعادت هيكلة بعض النظم الإقتصادية ذات العلاقة بنوع الإستثمارات الأجنبية الراغبة في دخول الصين ، وهكذا تدريجياً حتى وصلت إلى إعادة هيكلة جميع نُظمها الإقتصادية . عندها ، كان لا بد من إعادة هيكلة الدولة الصينية لتستوعب النظم الإقتصادية الجديدة والقدرات المالية المُتاحة للدولة ، ولتنعم بدورها الإقتصادي العالمي الذي وصلت إليه الآن .

إذن ، هنالك العديد من الأسباب والعوامل التي تستدعي الدول إلى إعادة هيكلة بنائها ونُظمها وهياكلها السياسية والإقتصادية والإجتماعية وحتى الثقافية . وهذه الاسباب قد تكون طوعية إختيارية ، أو قسرية إجبارية . والعوامل قد تكون داخلية أو خارجية .  وهذه الأسباب قد تكون ناشئة عن أي من العوامل التالية :

(1) عوامل سياسية ناتجة عن الإضطرابات الداخلية أو الحروب الخارجية ، كالإحتلال الذي يُغير شكل الدولة ونظمها وهياكلها .

(2) عوامل إقتصادية ناتجة عن العولمة والإنفتاح والتحرر الإقتصادي ، والرغبة في الإستفادة من الفرصة الإقتصادية العالمية .

(3) عوامل إجتماعية ناتجة عن التغيرات السكانية الحادة ، مثل الهجرات الخارجية وتغير نظرة المجتمع لمفاهيم إجتماعية أساسية مثل الزواج والطلاق والأسرة والديموقراطية .

(4) عوامل تكنولوجية ، وخاصة التطورات المتسارعة في تكنولوجيا المعلومات ووسائل التواصل الإجتماعي ، التي ازالت القيود الحريات المكبوته والتواصل الممنوع .

(5) إدارية ناشئة عن هرم هياكل الدولة التي أصبحت ، بنظر الأجيال الجديدة عديمة الجدوى ، ومعيقة وغير كفؤة وغير مقبولة في الدولة الحديثة . ولعل ظهور الحركات الشعبوية في العديد من دول أوروبا القديمة وحتى الولايات المتحدة الأمريكية لهو خير دليل على أن الهياكل القديمة في هذه الدول لم تعد مقبولة شعبياً .

لقد أصبح من البديهي القول أن دور الدولة منذ بداية هذا القرن الواحد والعشرين قد تغير كثيراً من عدة أوجه ، ولكن مع العديد من التحديات . مثل خروج بريطانيا المفاجيء من الإتحاد الأوروبي بالتصويت ب نعم بتاريخ 23-6-2016 . الأمر الذي يشير إلى أن تحول دور الدولة لم يعد بين اليسار واليمين كما كان في القرنين التاسع عشر والعشرين . وإنما التحول هو سعي نحو أفضل تنظيم للعلاقة بين الدولة والإقتصاد وبين المجتمع والسوق . وذلك بعد أن تطور دور الدولة في الإقتصاد من 9% في نهاية القرن التاسع عشر إلى 13% خلال الحرب العالمية الأولى إلى 45% في بداية هذا القرن الحادي والعشرين .

 

محمد عبدالله الخطايبة

رئيس قسم التمويل

الجامعه الاردنية

الوسوم:
السابق:
التالي:
محمد عبدالله خطايبة

عن محمد عبدالله خطايبة

حاصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد المالي من University of Birmingham البريطانية عام 2013, ودرجة الماجستير في المالية والمصرفية الدولية من University of Salford البريطانية عام 2006 والبكالوريوس في العلوم المالية والمصرفية من جامعة اليرموك الاردنية عام 2005. حاصل على جائزة الحسين للتميز والابداع لأحسن بحث في السياسة النقدية للعام 2018. يعمل حاليا برتبة استاذ مساعد في الجامعة الاردنية ورئيساُ لقسم التمويل, وعضو مجلس ادارة ورئيس لجنة التدقيق في شركة دار العمران للهندسة والتخطيط, وسابقاً ولمدة اربع سنوات في الجامعه الهاشمية منها رئيساً لقسم العلوم المالية والمصرفية لمدة سنتين, وقد سبق وان عمل كباحث اقتصادي لاحد مشاريع الاتحاد الاوروبي بالتعاون مع Aston University البريطانية ومحاضراً غير متفرع لليوم في جامعة اليرموك لمساقات الماجستير. يُشرف على عدد من طلبة الماجستير ولدية العديد من الابحاث العلمية المنشورة ومشارك ومحكم منتظم في عدة مؤتمرات دولية. مدرب معتمد لدى المجمع الدولي العربي للمحاسبين القانونيين للمؤهلين IACPA و IACMA للجانبين الاقتصادي والمالي محلياً واقليمياً, ينشط في الادارة المالية الدولية وسلوك محافظ البنوك التجارية والتمركز المصرفي والتنافسية.

Leave a Reply

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . Required fields are marked *

*

لأعلي