الرئيسية » السياسات الضريبية » إصلاح السياسات الضريبية

إصلاح السياسات الضريبية

إصلاح السياسات الضريبية

أ. د. محمد محمود العجلوني ، 

خلال الثمانينات ، كانت الدول تتسابق لتمويل نفقاتها العامة بواسطة الاقتراض ، الأمر الذي أدى الى مشاكل في موازين المدفوعات والتضخم وإنهيار أسعار الصرف . وفي التسعينيات ، تسابقت الدول في جذب الإستثمارات العالمية الحرة ، وخاصة في جنوب شرق أسيا ، فجذبت معها أكبر أزمة لإقتصاداتها ، عانت منها عقداً كاملاً . وبالتالي ، وفي العقد الأول من هذا القرن ، وجدت الدول النامية أن هناك حاجة لتوفير التمويل العام ضمن نظام مالي سليم . وعليه ، كان التحدي يكمن في ايجاد نظام ضريبي يتميز بالبساطة والعدالة ويساعد في النشاط الاقتصادي بدلا من ان يحبطه .

وفي هذا الإطار ، من الشائع التأكيد على الاختلافات في السياسات الضريبية بين الدول النامية و الدول المتقدمة . وهنالك فرضية في هذا المجال تقول بأن هناك شكل واحد من النظام الضريبي ملائم للدول النامية وآخر للدول المتقدمة . ويعتقد الباحث بأنه لا فرق بين هاتين المجموعتين من الدول فيما يتعلق بالضريبة ، و ان الاختلافات بين النظم الضريبية قد يكون بالدرجة و ليس بالمطلق . على الرغم من أن هناك بعض الاتجاهات الواضحة في السياسات الضريبية بين هاتين المجموعتين من الدول . فمثلاً تميل الدول المتقدمة الى انفاق جزء كبير من ناتجها المحلي الاجمالي GDP في القطاع العام ، ويتم تمويل هذه الزيادة في الانفاق من خلال الضرائب المباشرة والضمان الاجتماعي . وأما الدول النامية ، فتعتمد كثيرا في تمويل نفقاتها على الرسوم والضرائب الجمركية ، وتهمل كثيرا فرض الضرائب على قطاعات قابلة لدفع الضريبة مثل الخدمات وتجارة الجملة و المفرق .

ولكن ، يمكن القول بأن هناك صفتين تميزان اقتصادات الدول النامية ، غير موجودة ، أو موجودة بتأثير كلي ضعيف في إقتصادات الدول المتقدمة :

  1. عيوب السوق : مثل تقييد الأسعار وضبط حجم واسعار صرف العملات الأجنبية و الحماية الائتمانية.
  2. محددات المجال : مثل وجود الأسواق السوداء ووجود قطاع كبير غير خاضع للضريبة وشيوع التهرب من الضرائب .

وتشير الاتجاهات الحالية في السياسات الضريبية إلى أن هناك وعي دولي متزايد نحو تغيير تركيز السياسة الضريبية ، وذلك بناءا على الادراك العام بأن دفع الضرائب ونوعية النظام الضريبي يجب أن تحظى بالقبول وأن النظم الضريبية يجب أن تكون سهلة للفهم و التطبيق . ان تراجع الفكر اليساري والاشتراكية في العالم قد عزز من مبدأ القبول بالسياسة الضريبية ، وقلل من اعتبار الضرائب كآداة لتوزيع المصادر .

ونعتقد بان كثير من أدوات الضريبة ، وخاصة الضريبة على الداخل ،  تعتمد كثيرا على قبولها من دافعي الضريبة. وبدون هذا القبول ، فلن يتم تقرير حجم الدخل الحقيقي للفرد وانما يتم تحويله الى اشكال اخرى غير خاضعة للضريبة ، هذا اذا لم يتم تهريبها الى الخارج . ومن ذلك يمكن الاستنتاج بأن معدلات الضريبة العالية تعتبر غير ملائمة ، كونها تشجع على التهرب الضريبي .

وحتى تحظى السياسة الضريبية بالنجاح في تحقيق أهدافها ، فيجب أن تتسم بما يلي :

(1) القبول : من الحكمة فرض الضرائب بموافقة المكلفين بدفع الضريبة. وفي الدول الاقل ديموقراطية ، فان ضعف القبول بالضرائب يؤدي الى التهرب منها أو حتى رفضها . وفيما يلي بعض الصفات المطلوبة لتعزيز القبول بالضريبة :

(أ) معدلات منخفضة وقاعدة عريضة : هناك صعوبات متزايدة في فرض معدلات ضريبية عالية على الدخل، حيث ينظر اليها بأنها غير عادلة، وبالتالي تدعي للتهرب منها، وفي مثل هذه الحالة يسقط المبدأ بقبول الضريبة. ومن اجل المحافظة على حجم الايرادات المطلوبة في ظل معدلات منخفضة ، يجب زيادة و توسيع القاعدة الضريبية حتى تكون عادلة على الجميع، وفي هذه الحالة يجب التركيز على الادارة الضريبية و الادوات الضريبية التي يصعب تجنبها او التهرب منها .

(ب) الاتصال والشفافية : هناك ادراك متزايد من الحكومات بأهمية ايصال فلسفة النظام الضريبي وبضرورة ايجاد آليات ووكالات لتأكيد العدالة . وفي دول مثل بريطانيا تسعى الحكومات الى ربط الضريبة ببرامج الانفاق ، بما يؤدي الى أن تكون الضريبة مشابهة لتسعير السلع العامة .

(2) البساطة : هناك توجه دائم في النظم الضريبية للاتجاه نحو التعقيد ، كلما كانت الاستجابة لعدم العدالة والتهرب قائمة، وكلما كانت الاستجابة التورية للتصحيح موجودة . والنظم المعقدة ذات ادارة مكلفة وطرق اسهل للتهرب منها بحجة الالتزام بالشكل القانوني بدلا من الجوهر .

(3) الملائمة : لقد نشط دور السياسة المالية في الاستقرار الاقتصادي وكأساس للتمويل العام السليم . ولكن السياسة الضريبية اثبتت عدم كفاءتها في تحقيق اعادة تو-زيع الموارد ، كما انها لم تساهم باعادة توزيع الدخل وهكذا عادت الحكومات الى الهدف الاساسي من زيادة الايرادات من خلال نظم ضريبة اكثر ما تكون حيادية . لذلك ، ولغيره ، تجد الحكومات نفسها مضطرة الى قبول معدلات الضريبة المتعارف عليها دوليا وموضوع منافسة بين الأمم .

هناك العديد من الدول النامية التي بدأت في اعادة تشكيل نظامها الضريبي من خلال تحسين الادارة الضريبية واعادة هيكلة النظام الضريبي بما يحقق البساطة والشفافية و العدالة . ومثل هذه التوجهات موجودة ايضا في الدول المتقدمة .  ويمكن أن يشمل برنامج التصحيح الضريبي ما يلي :

  • توسع القاعدة الضريبية بتخفيض معدلات الضريبة. ومثل هذا التوجه يؤدي الى تلطيف الاثار الجانبية للضرائب، مثل التهرب منها أو عدم تشجيع الاستثمارات المباشرة .
  • جعل الحوافز الضريبية انسابية و تخفيض عدد المعدلات الضريبية .
  • زيادة الاهتمام بالكفاءة والفعالية والانتاج وتسهيل التنفيذ .

لقد أثبتت التجارب بأن دورة حياة السياسة الضريبية تضمنت العودة الى الضرائب على الاستهلاك . ففي المراحل الاولى من تطور الدول المتقدمة ، كانت الضرائب الرئيسية على سلع التجارة وضرائب الرسوم ملائمة لدفع نفقات الدولة المحدوده . وعندما زادت النفقات العامة تم فرض ضرائب الدخل . وحديثا العودة الى الضرائب على الاستهلاك ، سواءا على شكل الضريبة العامة على المبيعات او ضريبة القيمة المضافة . وتعتبر ضريبة القيمة المضافة الاكثر انتشارا في أوروبا (وبمعدل يقارب 20%) وعلى مجموعة واسعة من السلع و الخدمات  . ومن احدى ميزاتها انها تخفض الدخل الخاضع للضريبة بمعدلات عالية الى معدلات أقل . ولقد ثبت أن جداول ضريبة الدخل المرهقة انها غير مقبولة وغير ملائمة . وفي الدول النامية ، فان قاعدة ضريبة الدخل الاكثر منالا تشمل موظفي القطاع العام، والشركات ، وتشمل قاعدة الضريبة ايضا بعض السلع المحدودة مثل الرسوم على التبغ والكحول والنفط . ولذلك ينظر الى ضريبة القيمة المضافة على انها الحل لمشاكل الضرائب .

بالضرورة فان ضريبة القيمة المضافة هي ضريبة الاستهلاك النهائي ، ولكن يبدو انها توفر مزيدا من المزايا بسبب طريقة عملها . فبدلا من تصنيف السلع في الضريبة العامة على المبيعات ، يتم تصنيف الوكلاء في ضريبة القيمة المضافة . وهكذا فإن ضريبة القيمة المضافة تمتاز بما يلي :

  • الكفاءة : تجمع الضريبة في المراحل المتوسطة من الانتاج ، ويتم حسمها لاحقا وبذلك يكون فرض الضريبة على السلع النهائية ، وليس المتوسطة ، آليا. وبعكس بعض الضريبة العامة على المبيعات ، فأنه لايوجد تراكم في الضريبة ، ولا يوجد جوافز غير حقيقية للتكامل العمودي .
  • الادارة والتكلفة : تتجنب الضريبة العامة على المبيعات مشاكل تقييم ضرائب الدخل . ويتم ذلك بواسطة التذرع بسهولة بتحميل الطرف الاخر مسؤولية الكشف على ضرائب الدخل بدلا من ان يكون المسؤول هو دافع الضريبة . وفي حالة ضريبة القيمة المضافة ، لايهم اذا تم التهرب من الضريبة في اي مرحلة لأنها سوف تدفع في المرحلة التالية وان توافر الحسم والتنزيل يوفر الحافز للامتثال للضريبة . ومن وجهة نظر الدولة ، فان ضريبة القيمة المضافة ارخص من حيث انه من السهل تحديد قاعدة الضريبة ورقابتها. حيث ان جزءا من تكاليف ادارة الضريبة تقع على الشركات انفسها . وفي الحقيقة ، فان تكاليف ادارة الضريبة في الشركات الكبيرة ليس بذات مغزى (قليلة) ، واما هذه التكاليف في الشركات الصغيرة فهي نسبيا اكبر . ولقد بينت الدراسات بأن 69% من تكاليف ادارة الضريبة تقع على التجار الذي يقل الدخل الضريبي منهم عن 5%.

(ج) الاصلاحات الضريبية الاخرى ذات الاولوية (قبل ضريبة القيمة المضافة) : من مزايا تطبيق ضريبة القيمة المضافة ان المكلفين بها يقدمون كشوفا بايراداتهم العامة بما في ذلك ضريبة القيمة المضافة . وبهذا يمكن الاستفادة من هذه الكشوف في تقدير ضريبة الدخل على اولئك المكلفين .

(د) ان ضريبة ضريبة القيمة المضافة غير منظورة : حيث انه وعلى الرغم من انها تفرض على كل سلعة على حدة ، فانه من الصعب على المستهلك ان يحسب مقدار الضريبة التي يدفعها على مجموعة السلع التي يستهلكها .

(هـ) المرونة : ان احد مشاكل الضريبة على الاستهلاك انها جامدة ، باعتبار تلاشي نسبة الميل الحدي للاستهلاك مع الدخل ، فان الضريبة سوف تنحسر ، وبالتالي فان السياسات الضريبية تحاول دائما ان تصحح ذلك عن طريق الاعفاءات . وفي بعض الدول تعفى العديد من السلع و الخدمات الحساسة من ضريبة القيمة المضافة ، وخاصة السلع التي تشكل جزءا كبيرا من سلعة استهلاك الفقراء . وهناك اعفاءات تكون ذات اهداف توزيعية مثل اعفاء المواد الغذائية و الصحف و الكتب . لأن النظام الضريبي يتضمن كلا من السلع والدخل . وفي الاقتصاد الذي يتوافر فيه قاعدة عريضة من دافعي الضريبة ، فان هذه الضرائب تشكل عنصرا رئيسيا في الاستقرار الاقتصادي .

وأما فيما يتعلق بتأثير فرض الضرائب على الاستثمار الاجنبي المباشر ، فإن جميع الشواهد تؤكد على ان مستويات الاستثمار الفعلية والشركات والسياسة المالية لا تتأثر بالحوافز الضريبية . ومع ذلك فان توزيع النشاط مرتبط بالضريبة . فالشركات توزع بنشاطها حسب الاقاليم ذات الحوافز الضريبية ، والشركات الاجنبية توزع نشاطها حسب السوق التنافسي . وفي ضوء ذلك يجب مراعاة :

  1. ادوار التنسيق والاتفاقيات الضريبية بين الدول .
  2. المعدل الرسمي لضرائب الشركات (بساطة الهيكل الضريبي) .
  3. تحديد قاعدة الضريبة على الشركات بشكل فعال .
  4. معاملة الأرباح والخسائر من اسعار صرف العملات الاجنبية .
  5. عوامل غير ضريبية مثل الاستقرار السياسي والنظام السياسي المؤسسي .

وأخيراً ، فإنه من الضروري أن تكون الادارة الضريبية كفوءة وفعالة وسريعة وعادلة . ومن الواضح ان نزاهة مفتشي الضريبة لها اهميتها القصوى . ومن المظاهر الملائمة للخصخصة جمع أو بيع المتأخرات الضريبية المعروفة بواسطة شركات خاصة ، ومعالجة البيانات ، وادارة جزء من الوظائف الجمركية ، ولكن حق جمع الضرائب يجب ان لا يعطى للقطاع الخاص .

انه من الاهمية بمكان الاخذ بعين الاعتبار استراتيجيات مثل الاتصال الفعال والعلاقات العامة من اجل زيادة قبول العامة بالنضام الضريبي .

أ. د. محمد محمود العجلوني ، جامعة اليرموك

مقال للأستاذ الدكتور محمد محمود العجلوني ، جامعة اليرموك قبل ايام من التحاقه بالرفيق الاعلى.

الوسوم:
السابق:
التالي:
محمد عبدالله خطايبة

عن محمد عبدالله خطايبة

حاصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد المالي من University of Birmingham البريطانية عام 2013, ودرجة الماجستير في المالية والمصرفية الدولية من University of Salford البريطانية عام 2006 والبكالوريوس في العلوم المالية والمصرفية من جامعة اليرموك الاردنية عام 2005. حاصل على جائزة الحسين للتميز والابداع لأحسن بحث في السياسة النقدية للعام 2018. يعمل حاليا برتبة استاذ مساعد في الجامعة الاردنية ورئيساُ لقسم التمويل, وعضو مجلس ادارة ورئيس لجنة التدقيق في شركة دار العمران للهندسة والتخطيط, وسابقاً ولمدة اربع سنوات في الجامعه الهاشمية منها رئيساً لقسم العلوم المالية والمصرفية لمدة سنتين, وقد سبق وان عمل كباحث اقتصادي لاحد مشاريع الاتحاد الاوروبي بالتعاون مع Aston University البريطانية ومحاضراً غير متفرع لليوم في جامعة اليرموك لمساقات الماجستير. يُشرف على عدد من طلبة الماجستير ولدية العديد من الابحاث العلمية المنشورة ومشارك ومحكم منتظم في عدة مؤتمرات دولية. مدرب معتمد لدى المجمع الدولي العربي للمحاسبين القانونيين للمؤهلين IACPA و IACMA للجانبين الاقتصادي والمالي محلياً واقليمياً, ينشط في الادارة المالية الدولية وسلوك محافظ البنوك التجارية والتمركز المصرفي والتنافسية.

Leave a Reply

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . Required fields are marked *

*

لأعلي